طوال عقود، لم يكف الكيان الصهيوني عن الاستثمار بآلته العسكرية الغوغائية،فتارة كان يستثمر بهذه الآلة كورقة في قضاياه الداخلية وبالصراع القائم بين أحزابه وقواه السياسية المختلفة وفي الانتخابات خاصة،وطورا كان للاستثمار ان يحدد شكل الحكم في هذا الكيان الضحل،وفي الحالتين تبقى الارضية الخصبة لهذا الاستثمار هي دماء الشعب الفلسطيني،آلامه وعذاباته.

كان لآتون هذا الصراع أن حرك المواجهة الاخيرة في قطاع غزة،والتي استمرت لنحو ثلاثة ايام،وأسفرت عن استشهاد العشرات -بينهم ثلة من رجالات المقاومة الفلسطينية-وجرح المئات من ابناء هذا الشعب،

بداية،أشهد الله اني حين قررت المباشرة بكتابة هذا المقال،خلعت عني انتمائي السياسي،وآثرت ان يأخذ هذا المقال البعد الاكاديمي التحليلي والذي يقوم على تحليل الشكل والمضمون.

أولا:في الشكل،تداعت الهمجية الصهيونية وألقت بثقل اسلحتها النوعية على قطاع غزة المنهك سلفا نتيجة الاعتداءات الصهيونية السابقة ،هادفة الى تدمير البنية العسكرية لحركة الجهاد الاسلامي وهو ما لم تحظ به.فرغم الخسائر الثقيلة التي لحقت بقيادات الجهاد الإسلامي العسكرية ،أستمر الرمي الصاروخي المكثف والمنسق بالشكل الذي يشير إلى أن منظومة التحكم والسيطرة والقيادة،أستمرت بالعمل بشكل جيد، وأعتقد أن هذا التكيف مرده الى الخبرة والتحسب والطبيعة اللامركزية للتنظيم العسكري.

في المضمون،أعلن الكيان الصهيوني قبيل عدوانه على القطاع،أن معركته مع حركة الجهاد،وانه قام بتحييد حركة حماس،وهو الامر الذي ظهر جليا بتحييد حركة حماس لنفسها عن آتون المعارك.وبالمقابل ،اقتصرت جهودها على المقاربات السياسية،ومنها ما قام به رئيسها بإتصاله الهاتفي مع بوجدانوف،مساعد وزير الخارجية الروسي،وايضا يوضع بنفس السياق تهديدها بأنه ان لم يتم التوصل الى وقف لاطلاق النار،بأنها ستكون مضطرة للمشاركة في العملية-وهو ما يثبت عدم تدخلها العسكري بالمناسبة-،كما واسفرت جهودها في وقت لاحق على تثبيت دعائم الهدنة المجحفة تحت الرعاية المصرية.

ليس تشكيكا ببنية حماس ودورها العسكري الرائد في الدفاع عن القطاع-ما اثار حفيظتي هو الاعتبارات السياسية للحركة حتى وان كانت قد شاركت بشكل متخفي في القتال تحت لواء الجهاد كما ادعى البعض-.هذا المظهر الذي اظهرت به حركة حماس نفسها، حتى وان اعتبره البعض تكتيكيا-وانا منهم بالمناسبة-،من تغليب الطابع السياسي على الطابع العسكري للحركة يعد انقلابا على المعلن من ايديولوجيتها، من حيث الزامها بالصمت العسكري،مراعاة للدور المصري،وللتسهيلات المصرية التي تمنح لقيادات القطاع، وليس خفيا انه كان له بالغ الأثر في الاستفراد الصهيوني بالقطاع.

يتضح من سياق المفاوضات غير المباشرة التي قامت فيها مصر بدور الوسيط،والتي لعبت فيها حركة حماس دورا بارزا واستثمرتها سياسيا الى حد يعكس مدى تفردها بالقرار السياسي للقطاع،ان هذه المفاوضات افضت الى نتيجة صفرية،فالشروط الهزيلة التي طالبت بها المقاومة من ادخال الوقود الى القطاع الى الافراج عن الاسير السعدي…والمقاربة التي حملتها مصر-حسن النوايا-،لم ترتق الى مستوى التضحيات-خسرت الجهاد ثلة لا تعوض من ابناءها- بالاضافة الى عديد الشهداء والجرحى. وللتذكير فقط،واعتمادا على حسن النوايا، عادت مصر خالية الوفاض من تفاهماتها وتدخلاتها السابقة:
‏1ـ تم تنفيذ صفقة وفاء الأحرار 2011، وبعد أيام، اعتقلت إسرائيل كل من تحرر بالصفقة على أرض الضفة الغربية
‏2ـ بعد عدوان 2021، وبضمانة مصري، ما زالت غزة تنتظر إعادة الإعمار.

أخيرا،كانت لنتيجة العملية العسكرية ،ان افضت الى نتيجة تفاوضية صفرية،فالكيان الغاصب والذي حقق اهدافه من العملية “بتحييد” مجموعة كبيرة من القادة العسكريين والذي استنفذ بنك اهدافه الظرفية،راهن عل التدخل المصري لفرض الهدنة على القطاع،وهو ما حصل فعلا. هذا الكيان والذي كان قد تخلف عن كل التزاماته سابقا،اشار علانية الى انه في حل من اتفاقه وانه لم يقدم لمصر التزاما بإطلاق سراح الشيخ السعدي ،وتجدر الاشارة انه حتى وان اوفى الكيان بتعهداته،فان مجمل ما قد يحصل عليه الفلسطيني يبقى اقل من الخسارة الهائلة التي تكبدها باستشهاد اكثر من اربعين شهيدا وجرح المئات.

في المحصلة،عزاؤنا الوحيد أنها وان كانت جولة،فإنها الهبت الساحات،جددت الهمم،وبلا ادنى شك جولة يستخلص منها العبر.